من أمراض المُجتَمَع
مرّةً أخْرى
كيفَ يُعـنّفُ فَريقٌ من النّاسِ الأمّةَ تعنيفاً ، و يُحاسبونَها حساباً عَسيراً في ما تعرِفُ و في ما تجهلُ ،
يَرمونَها بالبدَع والفِسْق، ويشدّونَ عليْها الوَطْء شداً من غيرِ رَحمة ، و لا رفقٍ بها ولا طَبّ باحتمالها ؟
ألا فليعلَمْ هؤلاءِ أنّ كثيراً من النّاسِ ممّن كَثُرَت بضاعتُهم من نصوصِ الشريعَة ، لا يُحسنونَ فقهاً، و لا
يُجْدونَ فَتيلاً لنفْع هذه الأمّة ، لا يفقَهون إلاّ الأحكامَ القاسيةَ والتّهَمَ القاتلةَ ، أمّا الذينَ قلّتْ بضاعتُهُم
في العلمِ، فَكثيرٌ منهم لهم فطرةٌ سليمَةٌ غيْر مُلتاثة الطّبعِ ولا تجدُ بِهم مَرضَ فطرةٍ وبصيرَة، و لعلّهم
أن يَكونوا أحسنَ حالاً و أرجى مآلاً . ولو أنّ امرأً فقدَ البصيرةَ الواعيةَ و فَسَد ذوقُه لكان الفُقدانُ حجاباً
حائلاً دون فهمِ الحقّ، أمّا صاحبُ البصيرةِ الواعيةِ والفطرةِ السّليمَةِ فهو الذي تستقرّ في نفسِه صورةُ
الدّينِ الصّحيح.
و ينبني على استقامَةِ الفطرَةِ وسلاَمةِ الذّوقِ وحسنِ الاطّلاعِ على العلمِ الشّرعيّ : انتفاعُ مَن يملكُ
ذلِكَ بِما شرعَ الله لعبادِه من مَقاصدِ الدّين ، و انتفاعُ حقائقِ الدّينِ نفسِه بمَن رُزِقَ حُسْنَ الفَهْم وسلامةَ
الذّوقِ وصفاءَ الفطرةِ ،